العيني
128
عمدة القاري
فعلمت أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أن هذا العدد في الكتاب والسنة انتهى . وقد تكلفت جماعة في بيان هذا العدد بطريق الاجتهاد ، وفي الحكم بكون المراد ذلك نظر وصعوبة . قال القاضي عياض : ولا يقدح عدم معرفة ذلك على التفصيل في الإيمان ، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة ، والإيمان بأن هذا العدد واجب على الجملة ، وتفصيل تلك الأصول وتعيينها على هذا العدد يحتاج إلى توقيف . وقال الخطابي : هذه منحصرة في علم الله وعلم رسوله ، موجودة في الشريعة ، غير أن الشرع لم يوقفنا عليها ، وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كلفنا به ، فما أمرنا بالعلم به عملنا ، وما نهانا عنه انتهينا ، وإن لم نحط بحصر أعداده . وقال أيضاً : الإيمان اسم يتشعب إلى أمور ذوات عدد جماعها الطاعة ، ولهذا صار من صار من العلماء إلى أن الناس مفاضلون في درج الإيمان ، وإن كانوا متساوين في اسمه . وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية عمره يدعو الناس إليها ، وسمى من أجابه إلى ذلك مؤمناً إلى أن نزلت الفرائض ، وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم ، فقال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) * ( المائدة : 6 ) وهذا الحكم مستمر في كل اسم يقع على أمر ذي شعب : كالصلاة ، فإن رجلاً لو مر على مسجد وفيه قوم منهم من يستفتح الصلاة ، ومنهم من هو راكع أو ساجد ، فقال : رأيتهم يصلون كان صادقاً مع اختلاف أحوالهم في الصلاة ، وتفاضل أفعالهم فيها . فإن قيل : إذا كان الإيمان بضعاً وسبعين شعبة ، فهل يمكنكم أن تسموها بأسمائها ؟ وإن عجزتم عن تفصيلها ، فهل يصح إيمانكم بما هو مجهول ؟ قلنا : إيماننا بما كلفناه صحيح ، والعلم به حاصل ، وذلك من وجهين . الأول : أنه قد نص على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها ، فدخل فيه جميع ما يقع بينهما من جنس الطاعات كلها ، وجنس الطاعات معلوم . والثاني : أنه لم يوجب علينا معرفة هذه الأشياء بخواص أسمائها حتى يلزمنا تسميتها في عقد الإيمان ، وكلفنا التصديق بجملتها كما كلفنا الإيمان بملائكته وإن كنا لا نعلم أسماء أكثرهم ولا أعيانهم . وقال النووي : وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ، أعلى هذه الشعب وأدناها ، كما ثبت في الصحيح ، من قوله صلى الله عليه وسلم : ( أعلاها لا إله إلا الله وأدناها أماطة الأذي عن الطريق ) فبين أن أعلاها التوحيد المتعين على كل مكلف ، والذي لا يصح شيء غيره من الشعب إلاَّ بعد صحته ، وأن أدناها دفع ما يتوقع به ضرر المسلمين ، وبقي بينهما تمام العدد ، فيجب علينا الإيمان به وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده ، كما نؤمن بالملائكة وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم . انتهى . وقد صنف في تعيين هذه الشعب جماعة ، منهم : الإمام أبو عبد الله الحليمي صنف فيها كتاباً أسماه : ( فوائد المنهاج ) ، والحافظ أبو بكر البيهقي وسماه : ( شعب الإيمان ) ، وإسحاق ابن القرطبي وسماه : ( كتاب النصايح ) ، والإمام أبو حاتم وسماه : ( وصف الإيمان وشعبه ) . ولم أر أحداً منهم شفى العليل ، ولا أروى الغليل . فنقول ملخصاً بعون الله تعالى وتوفيقه : إن أصل الإيمان هو : التصديق بالقلب والإقرار باللسان ، ولكن الإيمان الكامل التام هو التصديق والإقرار والعمل ، فهذه ثلاثة أقسام . فالأول : يرجع إلى الاعتقاديات ، وهي تتشعب إلى ثلاثين شعبة . الأولى : الإيمان بالله تعالى ، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأن ليس كمثله شيء . الثانية : اعتقاد حدوث ما سوى الله تعالى . الثالثة : الإيمان بملائكته . الرابعة : الإيمان بكتبه . الخامسة : الإيمان برسله . السادسة : الإيمان بالقدر خيره وشره . السابعة : الإيمان باليوم الآخر ، ويدخل فيه السؤال بالقبر وعذابه ، والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط . الثامنة : الوثوق على وعد الجنة والخلود فيها . التاسعة : اليقين بوعيد النار وعذابها وأنها لا تفنى . العاشرة : محبة الله تعالى . الحادية عشر : الحب في الله والبغض في الله ، ويدخل فيه حب الصحابة المهاجرين والأنصار ، وحب آل الرسول صلى الله عليه وسلم . الثانية عشر : محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدخل فيه الصلاة عليه واتباع سنته . الثالثة عشر : الإخلاص ، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق . الرابعة عشر : التوبة والندم . الخامسة عشر : الخوف . السادسة عشر : الرجاء . السابعة عشر : ترك اليأس والقنوط . الثامنة عشر : الشكر . التاسعة عشر : الوفاء . العشرون : الصبر . الحادية والعشرون . التواضع ، ويدخل فيه توقير الأكابر . الثانية والعشرون : الرحمة والشفقة ، ويدخل فيه الشفقة على الأصاغر . الثالث والعشرون : الرضاء بالقضاء . الرابعة والعشرون : التوكل . الخامسة والعشرون : ترك العجب والزهو ، ويدخل فيه ترك مدح نفسه وتزكيتها . السادسة والعشرون : ترك الحسد . السابعة والعشرون : ترك الحقد